أبو جعفر الإسكافي

204

المعيار والموازنة

كتاجر لا بصر له بالذهب والفضة ، فإن صار في يده من ذلك ما لا علم له به عرضه على البصير يسلم في تجارته وأضعف رأس ماله ، وإن أهملتم أنفسكم وجمح بكم سوء النظر ، وقلد بعضكم بعضا الخبر كنتم كمن تعسف تجارته وقل نظره لنفسه ، ولم يعرض ما وقع في يده من فضته وذهبه على البصراء به وقلد من هو في مثل حاله في أمره ونهيه وجهله ، ولم يلبث إلا ريثما حتى أفقر نفسه وذهب رأس ماله . وقد يأثرون ( 1 ) عن النبي صلى الله عليه في تحقيق ما قلنا أنه قال : " رب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ( 2 ) وأنتم المعنيون بهذا الحديث ، والمرادون به إذا كانت معرفتكم به أسماء الرجال وعددهم . وعنه يؤثر صلى الله عليه أنه قال : " يحمل هذا العلم من كل خلف من أهل بيتي عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ( 3 ) . وكيف ينفي ذلك من لا علم له بالمقايسة وجمع الأشباه ؟ ومن هو عن النظر بمعزل ؟ ومن دينه السكوت ؟ ! وترك الفكرة والتدبير للجمع بين ما صح وفسد ، لبحق الحق ويبطل الباطل . [ وقد كشفنا الستار عن الحق ] لتعلموا أن القوم الذين عنوا بالفقه والتمييز والتدبير هم أهل الحق والنظر ، فأما من لا تمييز عنده بين باطل من حق كيف يعلم من أفرط وغلا ، وتأويل من قصر وأخطأ ؟ ! وفي كل ذلك يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا أتاكم عني حديث فاحملوه على أحسن وجوهه وظنوا به الذي هو أزكى وأهدى وأتقى " . فكيف يحمله على أحسن وجوهه من لا يخطر الفكرة فيه على قلبه ؟ ومن قد حرم

--> ( 1 ) وهو على زنة : " ينقلون " لفظا ومعنى . وقد جاء أيضا على زنة : " يضربون " . ( 2 ) وللحديث مصادر كثيرة جدا ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم هذا القول في آخر خطبة خطبها بمنى . ( 3 ) وهذا الحديث أيضا له مصادر كثيرة تجدها في كتاب العلم من بحار الأنوار . ج 1 .